أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

434

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

غيرهم هو جواب متقدم ، وقرىء : « أن لم » بالفتح على حذف الجار ، أي : لأن لم . وقرىء : « باخع نفسك » بالإضافة ، والأصل النصب . وقال الزمخشري : وقرىء : « باخِعٌ نَفْسَكَ » على الأصل ، وعلى الإضافة ، أي : قاتلها ومهلكها ، وهو للاستقبال فيمن قرأ : « إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا » ، وللمضي فيمن قرأ : « لَمْ يُؤْمِنُوا » ، بمعنى : لأن لم يؤمنوا . قلت : يعني أنّ باخعا للاستقبال في قراءة كسر « إنّ » فإنها شرطية ، وللمضي في قراءة فتحها ، وذلك لا يجيء إلّا في قراءة الإضافة ، إذ لا يتصور المضي مع النصب عند البصريين . وعلى هذا يلزم ألّا يقرأ بالفتح إلّا من قرأ بإضافة « باخع » ، ويحتاج في ذلك إلى نقل وتوثيق و « لعلك » قيل : للإشفاق على بابها « 1 » . وقيل : للاستفهام ، وهو رأي الكوفيين ، وقيل : للنهي ، أي : لا تبخع ، والبخع : الإهلاك ، يقال : بخع الرّجل نفسه يبخعها بخعا وبخوعا : أهلكها وجدا . قال ذو الرمة : 3155 - ألا أيّها الباخع الوجد نفسه * بشيء نحته عن يديه المقادر « 2 » يريد : نحّته بالتشديد فخفّف ، قال الأصمعي : « كان ينشده « الوجد » بالنصب على المفعول له ، وأبو عبيدة رواه بالرفع على الفاعلية ، ب « الباخع » ، وقيل : البخع : أن تضعف الأرض بالزّراعة . قاله الكسائي . وقيل : هو جهد الأرض ، وفي حديث عائشة - رضي اللّه عنها - عن عمر : بخع الأرض ، تعني جهدها حتّى أخذ ما فيها من أموال ملوكها . وهذا استعارة ، ولم يفسّره الزمخشري هنا بغير القتل والإهلاك . وقال في سورة الشعراء : أن يبلغ بالذبح البخاع بالباء ، وهو عرق مستبطن الفقار ، وذلك أقصى حدّ الذّبح . انتهى . « وسمعت شيخنا علاء الدّين التّوني ، يقول : تتبعت كتب الطب والتشريح فلم أجد لهذا أصلا ، قلت : يحتمل أنهم لمّا ذكروه سموه باسم آخر ، لكونه أشهر فيما بينهم . وقال الراغب : « البخع قتل النّفس غمّا ، ثمّ قال : وبخع فلان بالطّاعة ، وبما عليه من الحقّ إذا أقرّ به ، وأذعن ، مع كراهة شديدة تجري مجرى بخع نفسه في شدّته » . وقوله : « عَلى آثارِهِمْ » متعلق « باخِعٌ » ، أي : من بعد هلاكهم . قوله : أَسَفاً يجوز أن يكون مفعولا من أجله ، والعامل فيه « باخِعٌ » ، وأن يكون مصدرا في موضع الحال من الضمير في « باخِعٌ » . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 7 إلى 10 ] إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ( 7 ) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( 8 ) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ( 9 ) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ( 10 ) قوله : . . . زِينَةً . . . . يجوز أن ينتصب على المفعول له ، وأن ينتصب على الحال ، إن جعلت « جَعَلْنا » بمعنى : خلقنا ، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ، إن كانت « جعل » تصييرية ، و « لَها » متعلق ب « زِينَةً » على العلة ، ويجوز أن تكون اللام زائدة في المفعول ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف صفة ل « زِينَةً » . قوله : لِنَبْلُوَهُمْ متعلق ب « جَعَلْنا » بمعنييه . قوله :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 97 ) . ( 2 ) البيت لذي الرمة انظر ديوانه ( 8 / 33 ) ، المقتضب ( 4 / 259 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 7 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 393 ) ، التاج واللسان « بخع » .